ابن قيم الجوزية

678

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

لصاحبه الغم ، فهذه المكروهات هي من أعظم أمراض القلب وأدوائه ، وقد تنوّع الناس في طرق أدويتها والخلاص منها ، وتباينت طرقهم في ذلك تباينا لا يحصيه إلا اللّه ، بل كلّ أحد يسعى في التخلص منها بما يظن أو يتوهم أنه يخلصه منها ، وأكثر الطرق والأدوية التي يستعملها الناس في الخلاص منها ، لا يزيدها إلا شدّة لمن يتداوى منها بالمعاصي على اختلافها ، من أكبر كبائرها إلى أصغرها ، وكمن يتداوى منها باللهو واللعب والغناء وسماع الأصوات المطربة وغير ذلك ، فأكثر سعي بني آدم أو كله إنما هو لدفع هذه الأمور والتخلص منها ، وكلهم قد أخطأ الطريق إلا من سعى في إزالتها بالدواء الذي وصفه اللّه لإزالتها ، وهو دواء مركب من مجموع أمور ، متى نقص منها جزء ، نقص من الشفاء بقدره ، وأعظم أجزاء هذا الدواء هو التوحيد والاستغفار ، قال تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ( 19 ) [ محمد ] . وفي الحديث : « فإن الشيطان يقول : « أهلك بني آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا اللّه ، فلما رأيت ذلك ، بثثت فيهم الأهواء » « 1 » فهم يذنبون ولا يتوبون ، لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا . ولذلك كان الدعاء المفرج للكرب محض التوحيد ، وهو : « لا إله إلا اللّه العظيم الحليم ، لا إله إلا هو رب العرش العظيم ، لا إله إلا هو رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم » « 2 » . وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « دعوة أخي ذي النون ، ما دعاها مكروب إلا فرّج اللّه كربه : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من

--> ( 1 ) انظر الدارمي ( 1 / 92 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 6345 ) ، ومسلم ( 2730 ) عن ابن عباس .